الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
203
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
يبعثها إلى الملوك ، كما في حديث أنس أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بختم فصاغ خاتما ونقش فيه : محمد رسول اللّه ، وإنما لبسه أبو بكر - رضى اللّه عنه - لأجل ولايته ، فإنه كان يحتاج إليه كما كان - صلى اللّه عليه وسلم - يحتاج إليه وكذلك عمر وعثمان . وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقا ، احتجاجا بحديث أنس أنه - صلى اللّه عليه وسلم - نبذه ولم يلبسه . وفي الشمائل للترمذي عن ابن عمر أنه - صلى اللّه عليه وسلم - اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه . وفي الصحيحين من حديث أنس أنه رأى في يده - صلى اللّه عليه وسلم - خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها ، فطرح رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خاتمه فطرح الناس خواتيمهم . والصواب : القول الأول ، فإن لبس النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - الخاتم إنما كان في الأصل لأجل المصلحة لختم الكتب التي يرسلها إلى الملوك ، ثم استدام لبسه ولبسه أصحابه معه ، ولم ينكره عليهم ، بل أقرهم عليه ، فدل ذلك على الإباحة المجردة . وأما حديث النهى عن الخاتم إلا لذي سلطان فقال ابن رجب : ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعفه . وأما ما جاء في حديث الزهري عن أنس أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لبسه يوما واحدا ثم ألقاه . فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة : أحدها : أنه وهم من الزهري ، وسهو جرى على لسانه لفظ الورق ، وإنما الذي لبسه يوما واحدا ثم ألقاه كان من ذهب ، كما ثبت ذلك من غير وجه في حديث ابن عمر وأنس أيضا . الثاني : أن الخاتم الذي رمى به - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن كله فضة ، وإنما كان حديدا عليه فضة ، وروى أبو داود عن معيقيب الصحابي - وكان على خاتم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - قال : كان خاتم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - من حديد ملوى عليه فضة . فلعل هذا هو الذي لبسه يوما واحدا ثم طرحه ، ولعله هو الذي كان يختم به ولا يلبسه .